المقريزي

194

رسائل المقريزي

أصلا ، فإن الله تعالى طهرهم ، فليعلم الذام لهم أن ذلك يرجع إليه ولو ظلموه ، فذلك الظلم هو في زعمه ، لا في نفس الأمر ، بل حكم ظلمهم ينافي نفس الأمر ، كجرى المقادير على العبد في ماله يغرق أو يقع في النار فيحترق أو يموت له أحد أحبابه ، أو يصاب هو في نفسه ، وهذا كله مما لا يوافق غرضه ، ولكن ينبغي أن يقابل ذلك كله بالرضا والتسليم ، وإن نزل عن هذا المقام فبالصبر ، وإن ارتفع فبالشكر ، فإن في طي ذلك نقمة « 1 » من الله تعالى له ، وليس وراء ما ذكرناه خير ، فإنه ما وراءه إلا الضجر والتسخط ؛ ولذلك ينبغي أن يقابل المسلم جميع ما يطرأ عليه من أولاد فاطمة رضي الله عنهم في ماله وفي أهله ، وفي عرضه وفي نفسه أن يقابله بالرضا والتسليم والصبر ، ولا يلحق بهم المذمة أصلا ، وإن توجهت عليهم الأحكام الشرعية من إقامة الحدود المشروعة ، فذلك لا يقدح في هذا ، وإنما نمتنع من إلحاق الذم بهم وسبهم ؛ إذ قد ميزهم الله تعالى عنا بما ليس لنا معهم فيه قدم ، وأما أداء الحقوق المشروعة فهذا رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم يقترض من اليهود ، وإذا طالبوه بحقوقهم أداها على أحسن ما يمكن . وقد قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم : « لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها » فذلك حق الله تعالى ، ومع هذا لم يذمهم الله تعالى . وإنما كلامنا في حقوقكم ، وفيما لكم أن تطالبوهم به فلكم ذلك ، وليس لكم ذمهم ولا الكلام في أعراضهم ، ولا سبهم ، وإن نزلتم عن طلب حقوقكم ، وعفوتم عنهم فيما أصابوه منكم كان لكم بذلك عند الله الزلفى ، فإن النبي صلى اللّه عليه وسلّم ما سأل منكم إلا المودة في القربى ، ومن لم يقبل سؤال نبيه فيما هو قادر عليه فبأي وجه يلقاه غدا أو يرجو شفاعته ، وهو ما أسعف نبيه فيما سأله من المودة في قرابته ، ثم إنه جاء بلفظ المودة وهي الثبوت على المحبة ، فإن من ثبت على محبته استصحب المودة في كل حال ، وإذا استصحب المودة في كل حال لم يؤاخذ أهل البيت فيما يطرأ منهم في حقه مما لا يوافق غرضه ، ألا ترى ما قال المحب وما ذكر المودة التي هي أتم : وكل ما يفعل المحبوب محبوب

--> ( 1 ) لا صح أن تكون نعمة بدلا من نقمة .